فانتازيا الموازنة، تضليل الأرقام وفخ “السعر المرجعي- سعر الصرف”

مقالة

فانتازيا الموازنة، تضليل الأرقام وفخ “السعر المرجعي/ سعر الصرف”

بيان وزارة المالية لعام 2025 يحاول تسويق صورة “الإنجاز الاستثنائي” والحديث عن فائض تاريخي، لكن نظرة فاحصة على الأرقام تكشف الحقيقة، فنحن أمام هندسة محاسبية بارعة-أي تلاعب ذكي بالأرقام والبنود لإظهار الميزانية بشكل رابح على الورق فقط-، لا تحسناً فعلياً في الأداء المالي.

لنبدأ بالموازنة بحد ذاتها والتي كانت عملياً موازنة اثني عشرية-وهي قاعدة قانونية تُجبر الدولة على الصرف شهرياً بناءً على أرقام السنة الماضية لأن الموازنة الجديدة لم تُقر أو لأن الأرقام متذبذبة، أي أنها ميزانية “تسيير أعمال” وليست خطة تطوير-، ومع ذلك قفز الإنفاق من 2.36 مليار دولار إلى 3.44 مليار دولار (زيادة بنسبة 46%).

هذه القفزة ليست “توسعاً إنفاقياً”، بل هي مجرد نتاج لتغيير -السعر المرجعي للصرف-وهو سعر الدولار الذي تعتمده الدولة في حساباتها، فإذا رفعت الدولة هذا السعر، تزداد الأرقام تلقائياً حتى لو لم تتغير كمية السلع والخدمات-. نحن أمام إعادة تقييم رقمية-أي زيادة في الأرقام المسجلة فقط لتعويض انخفاض قيمة العملة، مثلما يزداد سعر ربطة الخبز في الميزانية ليس لأن الناس أكلوا أكثر، بل لأن العملة فقدت قيمتها-، وبالتالي فإن “الفائض” المزعوم هو فائض دفتري-أرباح وهمية موجودة في السجلات فقط نتيجة فروقات أسعار العملة، ولا تعني وجود سيولة حقيقية فائضة في خزنة الدولة-.

ننتقل بعد ذلك إلى ملف سلف المصرف المركزي، الفجوة غير المفسرة
الادعاء بسداد سلف المصرف المركزي بالكامل خلال 2025 هو النقطة الأكثر إثارة للريبة. مهنياً، لا يمكن لفائض قدره 46 مليون دولار أن يغطي التزامات متراكمة بمليارات الليرات.
السيناريوهات المرجحة هنا لا تخرج عن ثلاثة:

إما؛ إجراء مقاصة محاسبية-وهي عملية “شطب ديون متقابلة”، كأن تطلب الدولة من البنك المركزي شطب ديونها مقابل تنازل الدولة عن أموال أو حقوق أخرى للبنك، فتسوى الديون دون دفع قرش واحد-.
أو؛ إعادة تصنيف الالتزامات -أي تغيير اسم “الدين” في السجلات ووضعه تحت بند آخر لا يظهر للعلن لإخفاء حجم المشكلة-.
وأخرها؛ جدولة ديون غير معلنة -أي الاتفاق على تأجيل الدفع لسنوات طويلة جداً مع إظهارها في ميزانية السنة الحالية كأنها سُويت-.

في كل الأحوال، ما تم ليس تسوية نقدية-أي دفع الديون “كاش” وبالمال الفعلي-، بل معالجة ورقية لتحسين مظهر الميزانية أمام الرأي العام.

أما عند الإنتقال لبند الإيرادات فكانت واضحة أنها عبارة عن جباية استهلاكية في اقتصاد مشلول

بنية الإيرادات تعكس واقعاً اقتصادياً غير صحي بامتياز:

حيث سجلت 39% من الإيرادات تعتمد على الرسوم الجمركية-وهي الضرائب التي تدفعها عند استيراد أي بضاعة من الخارج، مما يرفع سعرها النهائي عليك-.

وسجلت 31% ضرائب ورسوم غير جمركية. وهذا يثبت أن الدولة تعيش على الضرائب غير المباشرة-وهي ضرائب “مخفية” يدفعها الفقير والغني بالتساوي عند شراء أي سلعة، عكس الضرائب المباشرة التي تُفرض على أرباح الأغنياء والشركات الكبرى-. أي أنها تستفيد من ارتفاع الأسعار وجيب المواطن، وليس من نمو الإنتاج.

في المقابل، لوحظ ضمن الموازنة تقزم الإنفاق الاستثماري-وهو المال الذي تخصصه الدولة لبناء مشاريع ومصانع وبنية تحتية تخلق فرص عمل للشباب- ليصل إلى 7% فقط؛ وهو رقم بائس لا يمكنه تحريك عجلة إعمار أو تحفيز إنتاج.
نحن أمام معادلة صفرية -وضع لا رابح فيه؛ حيث تأخذ الدولة كل ما في جيوب الناس لتغطي مصاريفها الجارية دون أن تزرع أي مشروع للمستقبل-.

ليأتي الاعتراف الضمني بالخلل عند الحديث عن التقديرات المسربة لعام 2026 والتي (تجاوز 10.5 مليار دولار) وهي بمثابة اعتراف بأن أرقام 2025 كانت موازنة ظل -أي ميزانية صورية غير حقيقية تُستخدم للتغطية على الوضع الفعلي-.
فعندما تقفز الأرقام لثلاثة أضعاف خلال عام واحد، فهذا يعني أن موازنة 2025 ضُبطت عمداً على أسعار صرف منخفضة لإظهار “توازن” أو “فائض” شكلي لا يصمد أمام الحقائق الاقتصادية.

موازنة 2025 باختصار لم تكن سوى:

  • تلاعب بأسعار الصرف لتجميل الأداء.
  • فائض محاسبي لا أثر له على الأرض.
  • جباية استهلاكية- قائمة بالاعتماد على سحب المال من المواطن عند شرائه لاحتياجاته بدلاً من تشجيعه على الإنتاج.
  • إهمال متعمد للإنفاق الاستثماري.

إن الأزمة الحقيقة لاتكمن في الأرقام، بحد ذاتها، بل في عقلية السياسة المالية التي لا تزال تدور في حلقة مفرغة بعيداً عن خلق أي نمو حقيقي أو مستدام

مقالات للكاتب/ة

المزيد من المقالات