المقارنة كأداة مساءلة: بين ضرورة التحليل ومخاطر التحصين
بعض الناس يظنون أن هناك ظلماً وتجنياً في مقارنة سلطة الشرع بالأسد، لكن هذا الاعتراض ينطلق من فهمٍ ملتبس لوظيفة المقارنة في المجال السياسي. فالمقارنة بين الأنظمة والسلطات (خصوصاً ضمن بلدٍ واحد) ليست حكماً أخلاقياً جاهزاً، ولا أداةً لإدانةٍ مسبقة؛ المقارنةُ هي منهجٌ تحليليٌ هام جداً يُستخدم لفهم طبيعة السلطة، وبُناها، وآليات اشتغالها، وحدود التزامها بالقانون والحقوق، والفروق بين السلطات في توجهات الاقتصاد السياسي وعلى الأصعدة الحوكمية.
المشكلة، في الواقع، لا تكمن في «المقارنة» بحد ذاتها، وإنما في الطريقة التي تُمارَس بها. هل نحن أمام مقارنات انطباعية تستند إلى الميول السياسية والمواقف المسبقة، أم أمام مقاربة تستند إلى معايير واضحة مثل استقلال القضاء والإعلام، والتعددية السياسية، والشفافية، ومساءلة السلطة؟ حين تُضبط المقارنة بهذه المعايير، فإنها لا تصبح مشروعةً فحسب، وإنما تتحول إلى ضرورةٍ لا غنى عنها لفهم أي تجربة حكم.
التحفّظ على المقارنة غالباً ما يستند إلى حجة السياق: اختلاف المرحلة، طبيعة التحديات، أو خصوصية اللحظة السياسية. غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقةً أساسية، وهي أن أي سلطة، مهما كانت ظروف نشأتها، تُختبر في نهاية المطاف بقدرتها على التحول من «سلطة أمر واقع» إلى «سلطة دستورية»، ومن بنيةٍ مغلقة إلى نظامٍ سياسي قابلٍ للمشاركة والتداول، وهذا بالضرورة يحتاج إلى مقارنةٍ موضوعية.
بل إن رفض المقارنة قد يتحول، من حيث يقصدُ أو لا يقصد أصحابه، إلى شكلٍ من أشكال تحصين السلطة من المساءلة والنقد، أو منحها «فترة سماح» إما بلا سقفٍ زمني، أو بسقفٍ مائعٍ لا معاييرَ واضحة تحكمه. والتجارب التاريخية في سوريا وغيرها تُظهر أن غياب المساءلة في المراحل الانتقالية هو ما يرسّخ لاحقاً أنماط الاستبداد، لا العكس.
في هذا السياق، من الضروري التأكيد أن المقارنة لا يجب أن تهدف بأي شكلٍ من الأشكال إلى تبرئة نظام الأسد، أو إعادة تدويره سياسياً أو أخلاقياً. بل على العكس تماماً، هي تهدف إلى تعرية الأخطاء، سواءً تشابهت أم لم تتشابه. فالمقارنة الجديّة لا تعمل بمنطق «المفاضلة» بين سيّئ وأسوأ، أو بين تشاؤمٍ وتفاؤل (فتلك أدواتٌ عاطفية، غالباً رغبوية وغير عقلانية). هي ببساطة تعمل بمنطق التفكيك والتحليل: أين تكمن الاختلالات؟ كيف تتشكل؟ وهل نحن أمام أنماط جديدة أم إعادة إنتاجٍ وتدويرٍ لنماذج سابقة أو ما يقابلها سوءً؟
في سياقٍ متصل، إن تحويل المقارنة إلى دفاعٍ ضمني عن تجربةٍ سابقة هو انحرافٌ عن وظيفتها الأصلية. الهدف من المقارنة لا يمكن أن يكون إعادة الاعتبار لنظامٍ مُجرمٍ سقط، بل منع تكرار الشروط التي أنتجته. وهذا لا يمكن تحقيقه دون قراءةٍ نقديةٍ صارمة لكل تجربة حكم، بما فيها التجربة الراهنة، وبمعزلٍ عن الاصطفافات السياسية أو العواطف الجمعية.
بل يمكن النظر إلى المقارنة، في هذا الإطار، كأداةٍ وقائية بقدر ما هي أداة تحليلية. فهي تتيح التقاط المؤشرات المبكرة لانحراف السلطة: تغوّل الجهاز التنفيذي، غياب الضوابط المؤسسية، تسييس القضاء والسيطرة عليه، والتضييق المباشر وغير المباشر على المجال العام والمساس بالحريات الشخصية. وبالمناسبة، كلها تذهب نحو التشابه حالياً. هذه جميعاً ليست تفاصيلَ تقنية، بل يجب النظرُ إليها بحذرٍ شديد، لأنها إشاراتٌ بنيوية، إن لم تُقرأ في وقتها، تتحول إلى سماتٍ راسخة يصعب تفكيكها لاحقاً.
وعليه، فإن الحساسية من المقارنة قد تكون مفهومة عاطفياً، وشيئاً ما سياسياً، لكنها لا تصمد منهجياً. لأن البديل عنها ليس «الإنصاف» على الإطلاق، بل قد يتحول إلى حالةٍ من العمى الانتقائي. أما المقارنة المنضبطة بالمعايير، فهي وحدها الكفيلة بأن تجعل النقد موجهاً نحو المستقبل، لا أسيراً لماضٍ يعيد إنتاج ذاته، وأن تضمن أن تكون الغاية حماية المجتمع من إعادة إنتاج ما ثار عليه، لا تبرير ما تجاوزه.
في النهاية، السؤال الحقيقي ليس: هل يجوز أن نقارن؟ وإنما: كيف نقارن، ولماذا؟ لأن النقاش الجاد يجب أن ينصرف إلى طبيعة النظام السياسي الذي يتشكّل، وحدود قدرته على بناء شرعية قانونية ومؤسسية، لا إلى حساسية الأداة التحليلية بحد ذاتها.




