اللاجئون السوريون بين حق العودة واستخدامهم كأداة سياسية في ظل التفاهمات الدولية

مقالة

عاد ملف اللاجئين السوريين إلى الصدارة من بين أبرز النقاشات الدولية المثيرة للجدل ليس من الجوانب الإنسانية، بل ضمن تفاهمات وتحركات سياسية تثير القلق فبدلا من ان يكون الحديث عن عودتهم مرتبطا بتوفير شروط الأمان والاستقرار بات يطرح كجزء من ترتيبات سياسية تعكس مصالح الدول المضيفة او الدولة الام

وإلى ذلك، يمكن رؤية هذا التغير من خلال المحادثات بين رئيس سلطة الانتقالية في سوريا احمد الشرع والمستشار الألماني ميرتس حيث ناقشا إمكانية إعادتهم من ألمانيا وتحدثوا عن 80 بالمئة منهم خلال السنوات الثلاثة القادمة على الرغم من عدم وجود موقف محدد رسمي وكيل الاتهامات بين الطرفين حول من صرح بها يعتبر طرح مثل هذا الأمر يشير إلى استخدام ملف اللاجئين كأداة سياسية

اللاجئون كأداة سياسية

يبرز هذا الأمر إشكالية أعمق من حيث إدارة ملف اللاجئين يبدو أن الحديث عنهم يعود مجددا من أجل أسباب سياسية فمن جهة تسعى السلطات السورية الة تعزيز شرعيتها وإظهار قدرتها على استيعاب العائدين ومن جهة أخرى تواجه الدول المضيفة ضغوطا داخلية تدفعها للبحث عم حلول سريعة للازمات الداخلية

لكنه يغفل عن الواقع المعقد في سوريا ويختصر قضية إنسانية معقدة من خلال إطار حساب سياسي آني هذا يزيد من الخيارات حول استخدام عودة اللاجئين كأداة سياسية من أجل تخفيف ضغط الداخل بدلا من سلامتهم واستقرارهم وهل بالفعل البيئة مهيئة للعودة

واقع هش لا يحتمل عودة واسعة

تعتبر سوريا من بين الدول الأكثر تدميرا في بنيتها التحتية بعد النزاع الذي استمر 14 عاما ومازال مستمر في بعض المناطق حيث تدمرت العديد من مدنها وتتراوح معدلات التدمير بين 50 و60 في المائة يضيف هذا التدمير المادي ضعف مزدوجا يشمل ضعف المؤسسات وتراجع قدرتها فحسب تقرير لجنة التحقيق الدولية تحدث عن بنية تحتية مدمرة وخدمات أساسية تكاد ان تكون معدومة مثل الصحة والتعليم وغيرها كما ان مئات الالاف من النازحين الداخليين لايزالون غير قادرين على العودة الى مناطقهم الأساسية وهو مؤشر إضافي على ضعف وتدهور الوضع فان الحديث بظل كل هذه الأمور عن عودة واسعة النطاق في ظل عدم قدرة الداخل نفسه على الاستيعاب هو انفصال عن الواقع

أزمة اقتصادية خانقة

إلى جانب التحديات الأمنية التي يواجها السوريون في الداخل، هناك أزمة اقتصادية خانقة تتجلى هذه الأزمة من خلال ظهور التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة مع محدودية فرص العمل كما تتعرض قطاعات أساسية مثل الصناعة والزراعة إلى تراجع إنتاجية وزيادة الاعتماد على المساعدات

وأيضا تعاني الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه من ضعف شديد او غلاء فاحش يزيد عن قدرة الافراد على الاستيعاب فعندما تكون فاتورة الكهرباء تشكل حوالي 75 بالمية من راتب الموظف وجرة الغاز الربع الاخر يجعل الحياة أكثر صعوبة في ظل عدم وجود بيئة استثمارية مستقرة يبدو الأمر لا منطقي أن نستند إلى نظريات حول إعادة الإعمار السريع واستيعاب العائدين جدد متعلقين بأوهام الاستثمارات الخيالية دون عمل حقيقي على الاعمار من الدولة نفسها

الكفاءات ليست المشكلة

يبدو أن هناك بعض الخطابات السياسية التي تتحدث عن امكانية أن يلعب السوريون العائدين دورا في إعادة الإعمار من خلال كفاءاتهم هذا النوع من الكلام لا يلغي حقيقة أن الكفاءات في سوريا تعاني من التهميش نتيجة سياسات الولاء والعلاقات الشخصية

إذا فإن المشكلة ليست في الكفاءات، بل في عدم وجود بيئة مؤسسية يمكن للكفاءات أن تعمل فيها دون هذا التغيير في البيئة لن يحدث شيء من خلال عودة الكفاءات

العقارات: العائق الخفي أمام العودة

من أهم التحديات التي تعيق عودة السوريين من اللاجئين هي أزمة عقارات السوريين لم يعد الأمر يقتصر على التدمير في منازلهم بل صار للأمر قانونيا معقدا أدى الأمر إلى قانون إعادة تنظيم العمراني الذي أصبح بعض مالكي العقارات من هذا النوع حصرا ضمن مشاريع استثمارية كما يلزم مالكي العقارات إثبات ملكيتهم خلال مدد زمنية في وقت يعيش فيه السوريين خارج البلاد او يعانون من فقدان الوثائق اللازمة ما يجعلهم عرضة لفقدان حقوقهم ناهيك عن المشاريع التي استولت على أملاك المواطنين مثل ماروتا سيتي او بوليفار حمص وغيرها, إضافة الى ذلك يعاني الناس من إجراءات معقدة تمنعهم من ترميم منازلهم كما يشاؤون مثل مناطق المحيطة في دمشق القابون وجوبر على سبيل المثال لا الحصر ووجود قيود على التصرف بالملكيات ما يجعل العودة غير ممكنة بظل عدم وجود مأوى للشخص وان كان يتملك بيت يريد ترميه مثلا

المعايير الدولية: خطوطاً حمراء

وتتحدث المعايير الدولية بموجب قرار مجلس الأمن 2254 عن أن عودة اللاجئين يجب أن تكون طوعية وآمنة وكريمة وهذه شروط أساسية لا يمكن تخطيها وينبغي أن يكون هناك بيئة مستقرة وضمانات حقيقية

شروط العودة الكريمة

فكل عودة سليمة للاجئين السوريين تتطلب أن تكون مبنية على شروط أساسية ومن هذه الشروط

أولا: المشاركة السياسية الفعلية دون اقصاء

ثانيا: وجود دستور يحترم ويطبق لا يخرق كل فترة بمراسيم وقرارات لا تمت للدستور باي صلة

ثالثا: ضمان حرية الاعلام: وهو ان تكون القيود او الإجراءات بعدية متعلقة بالقانون والرقابة من جهة مستقلة وليس من قبل وزارة تتبع السلطة التنفيذية لا قبل المواد وارهاق بتفاصيل تراخيص وموافقات حتى لصانعي المحتوى

رابعا: احترام القانون واستقلال القضاء: الى الان البلد مازال القانون هو أضعف أركانها والقضاء مستولى عليه من قبل أعضاء هيئة تحرير الشام سابقا وحتى بدون اختصاص فاختراع مناصب رؤساء العدليات التي يترأسها اشخاص غير مختصين تابعين للسلطة بشكل مباشر ووجود قضاة ونواب عامين أيضا بنفس المواصفات، بل وصلت الى اعلى درجات القضاء حيث عين على سبيل المثال شادي الويسي بهذا المكان وهو غير مختص، بل ومتهم بارتكاب جرائم

خامسا: ضرورة اصلاح الأجهزة الأمنية: فهي تعتبر صمام الأمان الأول فكيف للمواطنين العودة في ظل وجود أجهزة متهمة وحسب التقارير الدولية بارتكاب جرائم قد ترقى الى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وقد شددت التقارير على ضرورة الإصلاحات الحقيقة

سادسا: بناء مؤسسات عسكرية وطنية غير مسيسة لكي على الأقل يستطيع المواطن ان يمتلك بعض الثقة ان الانتهاكات لن تتكرر والعنف لن يعود كما السابق في حال أي اعتراض شعبي على هذه السلطة

خاتمة

تطرح النقاشات حول إعادة اللاجئين سؤالا جوهريا: هل الهدف هو حماية الانسان ام تحقيق مكاسب سياسية؟

اذ ان التعامل مع اللاجئين كورقة تفاوضية أولا ينزع عنهم صفة الإنسانية وثانيا لا يمكن ان يؤدي الى حلول حقيقة، بل قد يزيد تعقيد الازمة بشكل أكبر

وف ظل التحديات العميقة وعلى راسها أزمات الملكية العقارية والبنى التحتية المدمرة يصبح من الواضح ان العودة ليست مجرد قرار سياسي، بل عملية معقدة تتطلب تهيئة الظروف داخل سوريا وضمان الحقوق الأساسية وعليه فان أي مقاربة جادة لملف العودة يجب ان تنطلق من احترام حقوق الانسان وتوفير بيئة امنة ومستقرة بعيدا عن الحسابات السياسية

مقالات للكاتب/ة

المزيد من المقالات