الاستعصاء السوري في “الخروج إلى البئر”

إلى زمن قريب، لم تكن الرحلة إلى دير صيدنايا الشهير بالرحلة الهانئة كلياً. إذ أن صمتاً مهيباً كان يسود فجأة داخل الحافلة لبضع دقائق حال المرور بمحاذاة السجن الذي حمل اسم هذه البلدة الواقعة على بعد 30 كم شمال دمشق. صمت كان يترافق حتى بالخشية من اختلاس النظر إليه بسبب الرهبة التي زرعها اسمه في نفوس السوريين، حيث كانت الأخبار الشحيحة التي تتسرب عنه ويتم تداولها همساً، أو سماع شهادات مريرة لأصدقاء من السجناء السياسيين نجوا منه بأعجوبة، مبرراً مشروعاً للرعب حتى من نطق اسمه الذي وصف كأحد أكبر معسكرات الإبادة في التاريخ المعاصر.

عن أحد فصول هذا السجن الدامية، أي عن استعصاء سجنائه الشهير عام 2008 للمطالبة ببعض حقوقهم المشروعة، يتمحور مسلسل (الخروج إلى البئر) الذي عرض في شهر رمضان المنصرم. وهو مسلسل سياسي لمؤلفه سامر رضوان، كان قد أعلن عن التحضير له كمشروع درامي سينفذ خارج سوريا قبل أكثر من عامين. إلا أن سقوط نظام الأسد نهاية 2024 أعاد ترتيب أوراقه وخدمه من عدة جوانب، أبرزها توسيع هامشه، وقتل الخوف عند بعض الفنانين والفنيين المشاركين فيه، وأيضاً قتل الخوف لدى المشاهد السوري بذاته الذي تفاعل معه بشكل معلن للمرة الأولى دون مواربة أو تلميحات.

العمل الذي صورت مشاهده بين أربيل ولبنان، بدا مقنعاً في محاكاة هيكل سجن صيدنايا ومهاجعه وأقبيته، عبر تحويل معمل قديم في جونيه ببيروت ليبدو مشابهاً من حيث المكان، وأيضاً الزمان بكافة أدواته التي تعود إلى تلك الحقبة وتخدم محتوى النص الذي ارتكز في سرديته الدرامية على أحداث حقيقية وشهادات لمعتقلين سابقين عاصر بعضهم فترة الاستعصاء، وأيضاً على العديد من الدراسات المتعلقة بفكر الجماعات والتيارات الإسلامية الذين شكلوا نواة الاستعصاء.

يمكن القول إن عملية تحويل التاريخي المعاصر(الشائك) إلى درامي، عملية شاقة بالمطلق، تحتاج إلى ثقافة سياسية تقف على مسافة واحدة درامياً اتجاه كافة المكونات، أشبه بالذوبان في كل ما تقدم، وإعمال المخيلة إلى أقصى حدودها لإنطاق كل شخصية بحوارات تعبر عن مرجعيتها وتقنع المشاهد بهويتها الخاصة، والتي يصعب الفصل بينها هنا كهوية حقيقية أو هوية درامية، بسبب طبيعة النص الحساسة واستدامة بعض أفكار محتواه المرتبطة ببعض شخوصه وتجليها في السنوات اللاحقة التي أعقبت زمن الاستعصاء.

جمع سجن صيدنايا في غياهبه، وتحديداً في المرحلة التي قاربها النص درامياً، معتقلو رأي من السوريين وعرباً وأكراداً يمثلون تيارات وأطيافاً سياسية ومدنية مختلفة، ومعتقلون لتيارات وتنظيمات إسلامية، ظهر معظمهم في العمل، وقُدم بعضهم بأسمائهم الحقيقية وصراعاتهم الفكرية والعقائدية ذاتها، والتي دارت فيما بينهم من جهة، أو في آليات إدارة مواجهتهم للسلطة الأمنية من جهة أخرى، والتي اتخذت منحىً دموياً في بعض الأحيان، وساهمت في شق الصف بينهم ما بين المسلك اللاعنفي أو العنفي الذي رفضه بعضهم خشية تشبههم بالوحشية التي مورست ضدهم من سجانيهم.   

السلطة الأمنية التي لم تكن تعترف بأي شريعة من شرائع حقوق الإنسان وحولت البلاد إلى سجن كبير يدار بالقمع والاستبداد، غذت الصراع فيما بين السجناء ضمن خطة هادفة ومحكمة، ومارست ضدهم أساليب الترهيب والترغيب المخادعة، إلى أن انتهى الاستعصاء بمجزرة سقط فيها عدد كبير من القتلى من المعتقلين وعناصر الأمن الذي احتجزهم السجناء كرهائن، قام النظام بالتضحية بهم بدم بارد كحقيقة تاريخية، وأيضاً درامية تنطلق من مبدأ أمني يعتبر أن كل من في السجن هو سجين بما فيهم عناصره، كما جاء على لسان أحد ضباط النظام في المسلسل.

لعبة النظام الأمنية وتغوله لم يتوقفا عند حدود الاستعصاء، بل أضاء العمل على محطات مفصلية تعود إلى زمن الحرب الأميركية على العراق وما تلاها من تداعيات هامة في المنطقة، تكشف الارتباط الوثيق بين الجانبين الأمني والسياسي المتعلق بملفات إقليمية معقدة تم توظيفها خدمة لأهداف النظام وألاعيبه، وبخاصة تلك المتعلقة بالتنظيمات الإسلامية في العراق أو تلك الناشئة في الداخل السوري، عبر دعمه لهذه التنظيمات من جهة، ثم التقاطهم تحت ذريعة محاربة الإرهاب، أو بشكل أدق، المساومة عليهم كأوراق قبل بيعهم.

من أبرز تجليات اللعبة الاستخباراتية المزدوجة التي مورست في النص، يمكن التوقف عند أحد أهم محاور العمل الرئيسة، أي ماهية الشخصية، بخلفيتها وأبعادها، التي حملها بعمق وحساسية عالية النجم جمال سليمان بدور (سلطان الغالب). وهو الضابط المسرَّح من الجيش الذي سيتم اعتقاله عند عودته من العراق التي ذهب للدفاع عن أرضها بدافع وطني عروبي قومي. حيث سيتضح أن كل ما سيتعرض له (سلطان الغالب) في السجن، أو بعد خداعه واستغلاله وإعادة إرساله للعراق، ومن ثم التنكيل بأفراد أسرته وسرقة أمواله وزجه بخديعة جديدة في سجن صيدنايا، لم يكن هو المستهدف فيها كشخص بحد ذاته، بل بما يمثله من حالة وطنية عروبية وقومية.

وهي حالة تشبه طبيعة الشريحة الأكبر من السوريين، غير مرغوب بها، تشوش على البنية الأمنية للنظام ولا تتلاءم مع حقيقته التي خدع بها شعوباً ودولاً لعقود كان يموّهها تحت شعارات بعثية وعروبية وقومية ووطنية ويتاجر بها حسب الأهواء السياسية. وأيضاً بوصف (سلطان الغالب) حالة حكيمة وسلمية وقيادية ذات خطاب وتأثير مقنع في محيطها، تشكل في النهاية خطراً على وجوده الذي يعتاش على اللعب بالاستقطابات وتغذية الانقسامات والدفع إلى التطرف إلى حد تحويل الحمل إلى ذئب، أو إخراج الوحش من أي إنسان سلمي ورميه في أحضان التشدد، كما فعل بـ(سلطان الغالب)، وكما ثبت من خطته التي اتضحت في السنوات اللاحقة.

السلطة الأمنية بتغول قياداتها وأزلامها، تجلت في المسلسل بشخصية اللواء (ناصيف بدران) التي حملها بعمق مماثل النجم عبد الحكيم قطيفان (وهو معتقل سابق لدى النظام السوري)، تمكن بمهارة من الانتقال من حالة الضحية إلى تقمص حالة الجلاد. وهو انتقال نفسي صعب يستهلك طاقة عالية توظف أقصى شحنات الذاكرة المثقلة بالآلام لتصب في بنية شخصية الجلاد، أشبه بمعادلة قاسية يرتفع فيها منسوب ظلم الجلاد كلما ارتفع منسوب مظلومية الضحية.

شخصية اللواء (ناصيف بدران) ليست هنا شخصية أمنية بعينها، وليست شخصية الضابط الأمني الحقيقي الذي فاوض سجناء الاستعصاء فقط، بل هو تجسيد لكل القيادات الأمنية العليا التي حكمت وتحكمت بحيوات السوريين لعقود بأسماء رجالاتها المعروفين، جُمعت في شخصية رجل واحد اختصر كامل المنظومة الأمنية وبنيتها.

في (الخروج إلى البئر) من المهم الإشارة إلى المفصل الحساس الذي أثير ضمنه ويتعلق بمظلومية النساء عموماً، وزوجات المعتقلين بشكل خاص. حيث اعتاد النظام الأمني لعقود اتباع سياسة التغييب وإخفاء حياة أو وفاة المعتقل لديه. وفي بعض الحالات الاستثنائية التي تمكن فيها أهالي المعتقل من معرفة وفاته، تبين لاحقاً أنه مازال حياً. الأمر الذي وضع النساء في حالات ضياع ومواجهات قاسية مع قوانين الأحوال الشخصية وتداعياتها الدينية والمجتمعية، وبخاصة في حال زواجها الثاني ثم ظهور الزوج الأول. وهو في الواقع ملف ثقيل للغاية ازداد وطأة بعد سنة 2011 ويضاف إلى آلاف الملفات الإنسانية الشائكة.

سجن صيدنايا، أو أرض الجحيم التي قبعت لأربعة عقود في تموضع جغرافي مواجه لثاني أقدم مزار ديني مسيحي في العالم، تبخر شياطينه وكتبت حياة جديدة لمن كان حبيسه، ربما بواحدة من معجزات (ستنا مريم) المباركة، أو هكذا يحلو لنا أن نفسر. رغم أن المسلسل ينهي حلقته الأخيرة بتذييله لعبارة (ومازال الاستعصاء مستمراً)، وهو هنا لا يتوقف عند استعصاء السجن، بل عن استمرار الاستعصاء السوري، الذي يحتاج إلى جهود كل السوريين الصادقة للخلاص وبناء البلاد والعباد، لمنع تكرار تغول شياطين جدد.

المصدر: https://noq6a.com/articles/الاستعصاء-السوري-في-الخروج-إلى-البئر-1774984570000

مقالات للكاتب/ة