تفعيل الحوار الوطني: لماذا قد تكون مجالس المواطنين والمواطنات بداية لحل سياسي حقيقي في سوريا

مقالة

ساندرا علوش
ساندرا علوش هي صحفية سورية لاجئة ومخرجة أفلام وثائقية حائزة على جوائز دولية، تقيم في فرنسا ولديها أكثر من 16 عامًا من الخبرة في الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب. عملت مع قنوات بارزة كمذيعة ومعدة برامج سياسية واجتماعية كما عملت في إنتاج التقارير الإخبارية والأفلام الوثائقية حول قضايا الهجرة واللجوء وحقوق الإنسان. عضو منتخب في مجلس إدارة الشبكة الأوروبية لمناهضة العنصرية (ENAR). كما تشغل منصب مسؤولة المناصرة في منظمة New Women Connectors، وهي منظمة تقودها نساء مهاجرات ولاجئات. بصفتها من مؤسسي ميثاق المساواة في البرلمان الأوروبي، تتعاون ساندرا مع أصحاب المصلحة الرئيسيين في جميع أنحاء أوروبا ومع المفوضية الأوروبية، وتقدم استشارات لعدة هيئات تابعة للأمم المتحدة حول قضايا الهجرة واللجوء وحقوق الإنسان. كما أنها إحدى شركاء صندوق المرأة للسلام والعمل الإنساني (WPHF)، حيث تم الاعتراف بها كإحدى الممثلات للمدافعات عن حقوق الإنسان. يركز عملها على العدالة الاجتماعية، ومناهضة التمييز، حيث تسعى إلى إحداث تغيير في السياسات والدفاع عن حقوق المهاجرين واللاجئين في أوروبا والعالم. مدربة معتمدة في التثقيف السياسي للبالغين ضمن برنامج Erasmus+ مدربة في مهارات التواصل والخطابة العامة ضمن منصة WPHF Learning Hub.

للكاتب/ة أيضاً


عندما سقط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، كانت البلاد تقف على أعتاب لحظة تاريخية. فبعد عقود من الحكم السلطوي وسنوات طويلة من الحرب، ظهرت فرصة نادرة لإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة تقوم على تمثيل سياسي حقيقي، ومؤسسات ديمقراطية، وعقد اجتماعي يعترف بتنوع المجتمع السوري.

غير أن المسار الذي اتخذته المرحلة الانتقالية منذ ذلك الحين أثار خيبة أمل متزايدة لدى قطاعات واسعة من المجتمع.

فالمؤتمر الوطني الذي عُقد في شباط عام ٢٠٢٥، أي بعد سقوط النظام بفترة قصيرة، كان يفترض أن يكون نقطة انطلاق لحوار وطني جامع. لكن سرعة تنظيمه وضيق دائرة المشاركة وسرعة صدور مخرجاته جعله بالنسبة لكثيرين، أقرب إلى حدث سياسي عابر منه إلى منصة حقيقية لمناقشة مستقبل البلاد. وبدلاً من أن يفتح المجال أمام تمثيل واسع للمجتمع السوري بكل مكوناته، بدا المؤتمر محدود التمثيل وغير قادر على احتضان النقاش الوطني الذي تحتاجه سوريا في هذه اللحظة الحساسة. فكانت هذه أول فرصة ذهبية ضائعة فوتها الرئيس الانتقالي.

تبع ذلك الإعلان عن انتخابات برلمانية قُدّمت بوصفها خطوة نحو بناء مؤسسات سياسية جديدة في ظل رئاسة أحمد الشرع للسلطة الانتقالية. غير أن العملية اتسمت بطابع شكلي إلى حد بعيد، إذ اعتمدت بدرجة كبيرة على التعيينات بدل التنافس الانتخابي المفتوح. ونتيجة لذلك، وجد كثير من السوريين والسوريات أنفسهم مرة أخرى خارج العملية السياسية، سواء كانوا من القوى المدنية، أو من الشباب والشابات، أو من النساء، أو من الأقليات الدينية والإثنية والاجتماعية، أو من ملايين السوريين والسوريات في الشتات. وحتى الآن، لم ينعقد البرلمان الجديد حتى، الأمر الذي زاد من الشعور بأن هذه الاستحقاقات الوطنية لم تتحول إلى مؤسسات سياسية حقيقية. بل كانت مجرد مسرحية سياسية لإرضاء المراقبين الخارجيين.

بالنسبة لكثير من السوريين والسوريات، لم يكن المؤتمر الوطني ولا الانتخابات البرلمانية مجرد إجراءات سياسية عادية، بل كانا لحظتين مفصليتين كان يمكن أن تعيدا فتح المجال العام بعد سنوات طويلة من الإغلاق والاحتكار التام من قبل السلطة. لكن الطريقة التي أُديرت بها هذه الاستحقاقات خلقت انطباعاً بأن لا نية للسلطة الانتقالية بتغيير العقلية الاحتكارية للسلطة ولا بفتح الفضاء العام أمام مشاركة فعلية في صنع القرار وكأن المجتمع ليس شريكاً فعلياً في رسم ملامح المرحلة الانتقالية.

وفي الوقت ذاته، شهدت البلاد تطورات أمنية وسياسية ساهمت في تعميق الانقسامات داخل المجتمع. فقد أدت أعمال عنف ومجازر ذات طابع طائفي ارتكبتها قوات مرتبطة بالحكومة الانتقالية ضد مكونات سورية كالدروز والعلويين، إلى توسيع فجوة الثقة بين السلطة وفئات كبيرة في المجتمع. كما شهدت مناطق أخرى توترات واشتباكات مع الكورد السوريين، بينما عبّرت شخصيات ومؤسسات مسيحية عن قلق متزايد من التهميش والتضييق وحالات القتل العشوائي.

هذه الوقائع، مجتمعة، أعادت إلى الواجهة مخاوف قديمة لدى السوريين والسوريات من أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى ساحة صراع بين هويات متنافسة بدل أن تكون بداية لمسار وطني جامع.

في مثل هذه اللحظات، يصبح السؤال الأساسي ليس فقط كيف تُبنى المؤسسات السياسية، بل كيف يمكن إعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة وكيف يمكن للمجتمع فرض إرادته على السلطة دون اللجوء للعنف.

أحد النماذج التي قد تستحق النقاش في السياق السوري هو ما يعرف في بعض التجارب الديمقراطية بـ مجالس المواطنين والمواطنات. تقوم هذه الفكرة على جمع مجموعة من المواطنين والمواطنات يتم اختيارهم واختيارهن بطريقة عشوائية مدروسة بحيث تعكس التنوع الحقيقي للمجتمع. يجتمع المشاركون والمشاركات لفترة زمنية محددة، يتلقون خلالها معلومات من خبراء وخبيرات، ويستمعون إلى وجهات نظر مختلفة، قبل أن يناقشوا القضايا المطروحة فيما بينهم ويخرجوا بتوصيات تُرفع إلى صناع القرار.

إن فكرة مجالس المواطنين والمواطنات ليست تجربة نظرية، بل جرى تطبيقها في عدد من الدول التي واجهت انقسامات سياسية أو اجتماعية معقدة عندما كانت المؤسسات التقليدية عاجزة عن بناء توافق واسع. والهدف من هذه المجالس ليس استبدال المؤسسات المنتخبة، بل توسيع دائرة المشاركة وإعطاء المجتمع دوراً مباشراً في النقاش العام.

. ففي أيرلندا، على سبيل المثال، أنشأت الحكومة عام 2016 مجلساً للمواطنين والمواطنات ضم أشخاصاً تم اختيارهم بالقرعة لمناقشة قضايا شديدة الحساسية في المجتمع، من بينها تشريعات الإجهاض. وبعد أشهر من النقاشات والاستماع إلى خبراء وخبيرات وممثلين وممثلات عن مختلف الآراء، قدم المجلس توصيات ساهمت في فتح الطريق أمام استفتاء وطني غيّر القانون القائم.

وفي فرنسا، جرى عام 2019 إنشاء مجلس للمواطنين والمواطنات حول سياسات المناخ ضم 150 مشاركاً ومشاركة يمثلون التنوع الاجتماعي والجغرافي للبلاد. وقد عمل هذا المجلس على صياغة مقترحات وسياسات بيئية قُدمت لاحقاً للحكومة والبرلمان.

كما شهدت المملكة المتحدة وبلجيكا تجارب مشابهة، حيث استخدمت هذه المجالس لمناقشة قضايا عامة معقدة أو حتى كجزء من بنية النظام الديمقراطي نفسه.

تُظهر هذه التجارب أن مجالس المواطنين والمواطنات يمكن أن تصبح أداة فعالة عندما تواجه الدول لحظات سياسية حساسة أو انقسامات اجتماعية عميقة. فهي تتيح للمواطنين والمواطنات أنفسهم المشاركة في النقاش العام خارج الأطر الحزبية أوالنقابية، وتوفر مساحة منظمة للحوار يمكن أن تسهم في بناء توافقات أوسع داخل المجتمع.

في الحالة السورية، يمكن لمثل هذه المجالس أن تشكل بداية لمساحة حوار وطني مختلفة عن الصيغ السياسية التقليدية التي تم تقييدها أو تحييدها من قبل السلطة الانتقالية. وبدلاً من حصر النقاش السياسي داخل دوائر ضيقة من النخب أو الترتيبات السياسية المغلقة، يمكن فتح المجال أمام مشاركة أوسع تعكس الواقع الاجتماعي والثقافي المتنوع للبلاد.

كما يمكن أن تضم هذه المجالس مشاركين ومشاركات من مختلف المناطق السورية، ومن مختلف الخلفيات الاجتماعية والدينية والإثنية والمجموعات المهمشة، بما في ذلك العرب والكورد والدروز والعلويون والمسيحيون واللادينيون، إضافة إلى ممثلين وممثلات عن ملايين السوريين والسوريات في الشتات.

القضايا التي يمكن أن يناقشها هذا الإطار كثيرة مثل شكل النظام السياسي المستقبلي، آليات العدالة الانتقالية، إعادة الإعمار، عودة اللاجئين واللاجئات، وضمان حقوق مختلف المكونات الاجتماعية والإثنية والدينية والثقافية وغيرها.

بطبيعة الحال، لا يمكن لمجالس المواطنين والمواطنات أن تكون بديلاً عن المؤسسات الديمقراطية المنتخبة. لكنها قد تفتح نافذة ضرورية للحوار في بلد ما زال يحاول الخروج من سنوات طويلة من الحرب والانقسام ولم تتوافر له فرصة المشاركة السياسية وخوض حوار وطني حتى الآن.

ربما تحتاج سوريا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى مساحات تسمح للسوريين والسوريات بالجلوس معاً خارج منطق الاصطفاف السياسي أو الطائفي أو المناطقي، والتفكير جماعياً في مستقبل بلدهم. وفي مرحلة انتقالية حساسة كالتي تشهدها سوريا، قد يكون منح المجتمع هذه المساحة خطوة أولى نحو بناء شرعية سياسية حقيقية تقوم على تفاهمات مبنية من القاعدة تنعكس بشكل فعلي على السياسات والقوانين التي تتخذ فوق.. من السلطة..

مقالات للكاتب