الاقتصاد السوري: رِجلٌ في الحياة، وأخرى في القبر

مقالة ,

كثيراً ما يقال بعد مرور ما يقارب سنةً ونصف على هروب الأسد في سوريا إن «لا شيء تغيّر اقتصادياً». والردّ الشائع على ذلك يذهب إلى أن هذا الحكم فيه قدرٌ من الظلم والتجني، لأن كثيراً من الأشياء قد تغيّرت بالفعل. وبرأيي، نعم، هناك بعض التغيّرات، لكن المشكلة أن هذه التغيّرات بدأت مما يشبه النقطة التي توقّف عندها اقتصاد الأسد عام 2010. ولو كان ذلك المسار الاقتصادي سليماً آنذاك، لما كانت احتمالات الانفجار الاجتماعي والثورة في عام 2011 قد ارتفعت إلى ذلك الحد. ومن المفيد التذكير بأن سياسات التحرير الاقتصادي التي كان الأسد يسرّع وتيرتها آنذاك كانت تُطبّق في بلدٍ لم تكن فيه بعدُ تسعون في المئة من السكان تحت خط الفقر، وكانت بنيته التحتية لا تزال تعمل بصورة معقولة.

المشكلة أن المقارنة التي تُستدعى اليوم في النقاش العام ليست بين اقتصاد 2025 واقتصاد 2010 بوصفهما مرحلتين في مسارٍ واحد، بل بين اقتصادٍ منهار تشكّل خلال أربعة عشر عاماً من الحرب والعقوبات وتفكك المؤسسات، وبين ذاكرةٍ اقتصادية مجتزأة عن نهاية العقد الأول من الألفية. وهذه مقارنة مضلِّلة بطبيعتها، لأنها تتجاهل الفجوة الهائلة التي صنعتها سنوات الصراع، وتتعامل مع الاقتصاد السوري وكأنه كان يمكن أن يُعاد تشغيله بمجرد تغيّر رأس السلطة وتبدّل الشعارات.

والمفارقة أن من يروّج لهذه الشعارات كان يظن أن المشكلة كانت في الشعارات ذاتها. لذلك شهدت مرحلة ما بعد الأسد تضارباً واضحاً في الخطاب الرسمي: ما هو النموذج الاقتصادي؟ ما هي السياسات الإصلاحية؟ كيف ستتم إعادة الإعمار؟ عملياً، يعكس هذا التعدد في الشعارات حالة تخبّط أكثر مما يعكس رؤية واضحة. فالسياسات المتبعة على الأرض تقوم على تحرير السوق قبل بناء مؤسسات ضابطة قوية، وعلى تقليص الدعم دون إنشاء شبكات حماية اجتماعية، وعلى محاولة جذب الاستثمارات عبر الحوافز الضريبية والمالية بدلاً من إعادة بناء القاعدة الإنتاجية. وكل ذلك يوحي بأن ما يجري هو استئناف للمسار الذي توقّف في 2010، لا مراجعةً نقديةً له.

وقد انعكس ذلك سريعاً على بنية الإنتاج في البلاد. فبدلاً من إعطاء الأولوية لإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية الأساسية، ولا سيما الزراعة والصناعة التحويلية، اتجهت السياسات الفعلية إلى تسهيل الاستيراد وتحرير التجارة قبل إعادة بناء الإنتاج المحلي. والنتيجة أن السوق السورية امتلأت تدريجياً بالسلع المستوردة الرديئة، في وقتٍ لم تستعد فيه المنشآت الصناعية قدرتها على العمل، ولم تتعافَ الزراعة من آثار الحرب، ولم تتوافر لها شبكات التمويل والدعم اللازمة.

هذا الاختلال بين فتح السوق وبطء إعادة بناء الإنتاج أدى عملياً إلى ترسيخ نمط اقتصادي قائم على الاستيراد والاستهلاك. ومع ضعف القدرة التنافسية للمنتج المحلي، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، وشح التمويل، وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين تحت وطأة سياسات رفع الدعم، أصبح استيراد السلع الرديئة أمراً طبيعياً يتلاءم مع هذه القدرة الشرائية المتدنية ومع غياب الإنتاج المحلي.

في هذا السياق برزت ظاهرة أخرى لا تقل خطورة، وهي تشكّل طبقة اقتصادية جديدة ذات طابع أوليغارشي. فمع تحرير التجارة في ظل مؤسسات ضعيفة وغياب رقابة فعالة، بدأت شبكات من كبار المستوردين والتجار تسيطر على قطاعات كاملة من السوق، لتتحول عملياً إلى «كارتيلات» تتحكم بالأسعار وبقنوات الاستيراد وبسلاسل التوزيع. وهكذا يجري إنتاج شكل جديد من الاحتكار الاقتصادي، لا يقوم هذه المرة على تحالفاتٍ بين رأس المال والسلطة السياسية بشكلٍ تقليديّ، بل على نموذجٍ أشد مركزيةٍ زبائنياً، الفاعلون الاقتصاديون فيه هم جزءٌ من بنية السلطة الناشئة، وبطبيعة الحال يحصلُ هؤلاء على امتيازات في الوصول إلى العملة الصعبة أو تراخيص الاستيراد أو عقود التوريد، والأدهى أن هُناك من يجرؤ على تسمية هؤلاء «قطاعاً خاصاً!». 

والنتيجة مزدوجة الأثر: فمن جهة تتآكل القاعدة الإنتاجية الوطنية لأن رأس المال يتجه إلى الربح السريع في التجارة بدلاً من الاستثمار الطويل في الصناعة والزراعة، ومن جهة أخرى يزداد تركّز الثروة والنفوذ الاقتصادي في أيدي فئة محدودة هي عملياً تُمثل السلطة لا مصالح المجتمع، بما يعيد إنتاج التفاوتات الاجتماعية ويعمقها بشكلٍ أكبر بكثير، وهي التي كانت أصلاً من أبرز العوامل التي غذّت الاحتقان قبل عام 2011.

غير أن المشكلة لا تتعلق بالسياسات الاقتصادية وحدها، بل بطريقة إدارة الاقتصاد نفسها. فالفوضى القائمة تعكس خللاً عميقاً في بنية الحكم التي تشكلت بعد سقوط النظام. أول مظاهر هذا الخلل هو غياب التنسيق بين الوزارات بعد إلغاء مجلس الوزراء بصيغته التقليدية. فبدلاً من وجود مركز حكومي ينسق السياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية ضمن رؤية واحدة، أصبحت القرارات تُتخذ بصورة متفرقة، بل إن بعض الوزارات باتت تعلن استراتيجياتها الخاصة بصورة منفصلة، ما يجعل السياسات الحكومية متناقضة أو غير مترابطة في كثير من الأحيان، واجتمع الكيان الذي تم استحداثه تحت مُسمى المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية مرةً أو مرتين منذ تأسيسه!

إلى جانب ذلك، تراجع حضور الكفاءات داخل الجهاز الإداري للدولة نتيجة موجات واسعة من الإقصاء والاستبدال قامت في كثير من الحالات على أساس الولاء السياسي أو الجماعاتي لا على أساس الخبرة. وقد أدى ذلك إلى إضعاف القدرة التقنية للمؤسسات العامة وتحويل جزء من الجهاز الإداري إلى بيروقراطية محدودة الكفاءة، عاجزة عن إدارة ملفات اقتصادية معقدة في مرحلة إعادة بناء حساسة.

كما برزت ظاهرة الازدواجية البيروقراطية داخل مؤسسات الدولة، حيث جرى زرع شخصيات مرتبطة بالسلطة، يُشار إليهم في الخطاب العام باسم «المشايخ» داخل المؤسسات لمراقبة الإدارات الرسمية أو توجيه قراراتها. هذا النموذج يخلق عملياً جهازين داخل المؤسسة الواحدة: إدارة رسمية، وأخرى موازية تمتلك نفوذاً سياسياً أكبر. وهي ظاهرة تذكّر بتجربة الاتحاد السوفييتي في السنوات الأولى بعد الثورة البلشفية حين زرعت القيادة مندوبين سياسيين داخل المؤسسات لضمان ولائها، وهو ما خلق آنذاك ازدواجية بيروقراطية عطّلت عمل كثير من أجهزة الدولة.

ويتفاقم هذا الخلل المؤسسي أكثر مع الغياب شبه الكامل للشفافية في إدارة الاقتصاد العام. فالمعلومات المتعلقة بالسياسات المالية، أو بآليات اتخاذ القرار الاقتصادي، أو حتى بالإنفاق العام، زادت شُحاً ومحدودية. كما أن تعطيل الهيئات التشريعية والقضائية (أو إبقاءها في حالة شلل فعلي) حرم المجتمع من أدوات الرقابة الأساسية التي يفترض أن تُصلح كوارث مرحلة الأسد على المستويين التشريعي والرقابي، إضافةً إلى أداءِ أدوارها في رقابة عمل السلطة التنفيذية والحدّ من تغوّلها المستمر. وفي غياب هذه الآليات، يصبح المجال مفتوحاً أمام إعادة إنتاج أنماط إدارة مغلقة للاقتصاد، تقوم على القرارات الفوقية وعلى توزيع الامتيازات بعيداً عن أي مساءلة مؤسساتية.

والمفارقة أن كل ذلك يحدث في وقت يُروَّج فيه رسمياً لخطاب تقليص دور الدولة. فالواقع يشير إلى الاتجاه المعاكس تماماً: القطاع العام لا ينكمش بل يتوسع، لكن أساساً في الأجهزة العسكرية والأمنية حيث يزداد التوظيف بصورة واضحة. كما يزداد الغموض مع إنشاء مؤسسات اقتصادية جديدة مثل «الصندوق السيادي»، الذي يُقال إنه يوظف نحو 55 ألف شخصاً، جميعهم كانوا في المؤسسات التي استحوذ عليها الصندوق، وهي مؤسسات «قطاع خاص» مملوكة لأوليغارشية النظام السابق مثل حمشو والفوز والقاطرجي والأخرس وغيرهم. وبذلك، بدلاً من تفكيك الشبكات الريعية التي نشأت في عهد الأسد، يبدو أننا أمام إعادة تدويرٍ لها داخل مؤسسات الدولة نفسها. فالدولة لا تقلّص الاقتصاد الريعي بقدر ما تعيد استيعابه داخل بنيتها. ولا تقلص قطاعها العام، بل تزيدُ منه دون أدنى شفافية حول الصندوق الذي أصبح أكبر مُشغلٍ حكومي، وبنفس الوقت أشبه بالثقب الأسود.

في المحصلة، فإن اقتصاداً بلا تنسيق حكومي، وبلا كفاءات مؤسسية، وبلا شفافية أو رقابة، وبجهاز بيروقراطي مزدوج ومتضخم، لا يمكن أن ينتج استقراراً أو تنمية. وما يجري اليوم لا يبدو مشروعاً لإعادة بناء الاقتصاد السوري بقدر ما يبدو إعادة إنتاجٍ لخللٍ قديم في ظروف أشد قسوة. ولذلك فإن الأزمة الراهنة ليست مجرد أزمة سياسات اقتصادية، بل أزمة حكم كاملة تُدار فيها الدولة بمنطق الولاءات والتوازنات السياسية الجماعاتية. ولطالما استمر هذا المنطق، سيبقى الاقتصاد السوري متداعياً؛ رِجلٌ في الحياة، وأخرى في القبر.

مقالات للكاتب/ة