بعد سقوط نظام الأسد وتشكل الإدارة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، يبرز تساؤل محوري: لماذا لا يكون لإعادة بناء الوطن رؤية تحترم البيئة وتراعي تحديات التغير المناخي؟ لماذا لا نخطط لبناء دولة مستقبلية تستطيع مواجهة الكوارث المناخية وتأثيراتها؟ هل يمكن إعادة إعمار سوريا على أسس صديقة للبيئة؟ وماذا يمكن أن يقدم هذا الخيار الاستراتيجي للشعب السوري؟
في ظل توجه بعض القوى الغربية نحو توجه يميني متطرف يُفضّل زيادة الإنتاج الصناعي والتسليح على حساب حماية البيئة، أرى أن الوقت قد حان لطرح رؤية بديلة تُعيد للأمة مكانتها وتبني مستقبلاً مستداماً لها مبنياً على أسس علمية وتحليلات بحثية إنمائية.
خلفية الأزمة والحاجة إلى تغيير النموذج الإنمائي
سنوات من المعارك والقصف الواسع للمدن خلفت وراءها دماراً هائلاً في البنى التحتية والبيئة السورية. ومع ذلك، تُتيح هذه المرحلة الجديدة فرصة لإعادة النظر في نموذج التنمية التقليدي الذي يعتمد على الصناعات الثقيلة وزيادة القدرات العسكرية. فبينما تركز بعض الدول الكبرى على تعزيز الإنتاج والصناعة والتبادل التجاري، تُشير تحذيرات العلماء إلى أن استمرار هذا النهج سيزيد من حدة الانبعاثات الغازية والكوارث البيئية، التي قد تتحول إلى كارثة خلال العقود القادمة.
التحديات المناخية والعواقب الوشيكة
شهدت السنوات الأخيرة تقلبات مناخية غير مسبوقة؛ فالطقس بات غير متوقع، والفيضانات والحرائق والكوارث الطبيعية تتكرر بصورة مقلقة. إذ تؤكد الدراسات أن استمرار انبعاث الغازات الدفيئة سيؤدي إلى تغيرات مناخية أكثر حدة خلال فترة قصيرة قد تتراوح بين عشرين وأربعين سنة. في هذا السياق، يصبح من الضروري أن يتبنى السوريون نموذج إعمار يأخذ بعين الاعتبار الطاقة المتجددة من خلال استغلال الطاقة الشمسية والرياح والمياه لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتصميم مشاريع البنية التحتية بما يضمن الحفاظ على الموارد الطبيعية والحد من التلوث. كما يجب التركيز على الزراعة المستدامة وتبني أساليب الزراعة العضوية والذكية التي تقلل من تأثيرها البيئي.
التوجه الغربي ومخاطره على مستقبل البيئة
إن التوجه اليميني المتطرف لبعض دول أوروبا و أمريكا، الذي يقوم على ترك سياسات حماية البيئة لصالح تعزيز الصناعات العسكرية والاقتصادية، يشكل نموذجاً خطيراً في وجه التحديات البيئية العالمية. هذا النموذج الذي يُنظر إليه أحياناً على أنه “مشاكل عالم أول”، يؤكد على أن قضايا البيئة والتغير المناخي ليست حكرًا على الدول المتقدمة فحسب، بل هي قضايا مشتركة تؤثر على البشرية جمعاء. وإن تجاهل هذه القضايا سيؤدي إلى تفاقم الأزمات البيئية والاقتصادية على حد سواء والتي تحمل تأثيرات سلبية أكبر على منطقتنا خاصة وأن الهجرة المناخية باتت عنواناً لأكبر المؤتمرات المناخية العالمية، حيث تؤثر التغيرات المناخية على شعوب تعاني ظروفاً اقتصادية صعبة أصلاً ما يدفعها للهجرة بأعداد كبيرة، كما أن حرائق الغابات والفيضانات والزلازل والمدن الملوثة بالانبعاثات الصناعية السامة، تدفع آلاف الأشخاص إلى الهجرة لأماكن تحظى بظروف مناخية واقتصادية أفضل.
مقترح الرؤية الخضراء لإعادة إعمار سوريا
من باب الحرص على بناء دولة قوية وعصرية فلا بد من طرح رؤية بديلة لإعادة إعمار سوريا ترتكز على أسس بيئية خضراء ومستدامة، تتضمن النقاط التالية:
١- اعتماد الطاقة المتجددة وذلك في الاستثمار في محطات الطاقة الشمسية والرياح والماء وتطوير بنية تحتية للطاقة النظيفة، مما يساهم في خفض الانبعاثات الغازية وتأمين مصادر طاقة مستقلة ومستدامة وأكثر أماناً وأقل تكلفة على المدى البعيد.
٢- تصميم بنية تحتية صديقة للبيئة باستخدام تقنيات بناء حديثة تراعي تقليل استهلاك الموارد الطبيعية وتقليل التلوث، مع التركيز على استصلاح المناطق المتضررة من الصراعات ودعم المشاريع العمرانية البيئية الخضراء التي تعتمد على مواد صديقة للبيئة، تحترم النظام البيئي المستدام (ecosystem) في تصميمها وتنفيذها.
٣- تعزيز الزراعة المستدامة ودعم المشروعات الزراعية العضوية والزراعة الذكية التي تعتمد على تقنيات المحافظة على المياه والتربة، مما يضمن تحقيق أمن غذائي دون الإضرار بالبيئة واعتماد آليات البحث العلمي في تطوير المحاصيل وحمايتها دون اللجوء للمبيدات الحشرية الضارة بالإنسان والبيئة.
٤- تنمية اقتصادية متوازنة لخلق فرص عمل جديدة في قطاعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الخضراء، بالإضافة إلى تطوير الصناعات البيئية التي تُشكل بديلاً للنموذج الصناعي التقليدي مثل إعادة التدوير وإدارة النفايات، إدارة المياه ومعالجتها، تقنيات التقاط وتخزين الكربون، السياحة البيئية التي تعتمد على إنشاء محميات طبيعية سياحية وغيرها من المشاريع الخضراء التي تفتح آفاقاً اقتصادية واعدة وأسواقاً عالمية كبيرة.
٥- التوعية والمشاركة المجتمعية من خلال إطلاق حملات توعية لتعريف الناس بأهمية الاستدامة البيئية ودورهم في حماية الطبيعة، إلى جانب إشراك المجتمع في اتخاذ القرارات البيئية المتعلقة بعملية إعادة الإعمار.
دعوة لإحداث تغيير جذري
إن طرح هذه الرؤية لا يعني فقط إعادة بناء سوريا، بل يمثل خطوة جريئة نحو مستقبل أفضل. إنه نداء للعمل العاجل لإحداث تغيير جذري في سياسات التنمية التي ترتكز على الاقتصاد العسكري والصناعي والتجاري دون مراعاة لقضايا البيئة. وفي ظل التحديات المناخية المتزايدة والاضطرابات العالمية، يصبح من الضروري أن يكون لإعادة إعمار سوريا بعد سقوط نظام الأسد بعداً بيئياً يضمن بقاء الوطن صالحاً للعيش ويقدم نموذجاً يحتذى به للدول الأخرى، فتكون نهضة سوريا قصة ملهمة لشعوب العالم كما ألهمتها نهضة اليابان بعد ناكازاكي وهيروشيما ونهضة ألمانيا بعد النازية والحرب العالمية الثانية.
ختاماً، إنني أدعو صناع القرار والمفكرين والمجتمع السوري ككل إلى تبني هذه الرؤية الخضراء التي تضع البيئة والتغير المناخي في صميم أولويات إعادة الإعمار. لا بل أن تكون المبدأ الأساسي الذي تؤسّس عليه كل الخطط والمشاريع الحالية والمستقبلية. فالمستقبل الذي نرغب في بنائه لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال رؤية شاملة تجمع بين النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة، لضمان ازدهار بلدنا وبقاء كوكبنا صالحاً للأجيال القادمة.